خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 5 من جمادى الأولى 1448هـ، الموافق 16/10/2026م
وَحْدَةُ الْمَصِيرِ وَحُرْمَةُ الِاعْتِدَاءِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَنَهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَجَعَلَ حِفْظَ النُّفُوسِ وَصِيَانَةَ الْحُقُوقِ مِنْ عَظِيمِ مَقَاصِدِ شَرِيعَتِهِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَنَشْكُرُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَالتَّقْوَى خَيْرُ زَادٍ، وَسَبِيلُ رِضَا رَبِّ الْعِبَادِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ دِينُ الرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَالْأَمْنِ وَالسَّلَامِ، وَالْمَحَبَّةِ وَالْأُخُوَّةِ، جَاءَ لِيَحْفَظَ لِلْإِنْسَانِ حَيَاتَهُ وَكَرَامَتَهُ، وَيَصُونَ حُقُوقَهُ وَمُمْتَلَكَاتِهِ، وَيَمْنَعَ الْعُدْوَانَ عَلَيْهِ، وَيُقِيمَ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى أُسُسِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، فَحَرَّمَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى الظُّلْمَ، وَنَهَى عَنِ الِاعْتِدَاءِ، وَجَعَلَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْأَنْفُسِ الْبَرِيئَةِ، وَتَرْوِيعَ الْآمِنِينَ وَتَهْدِيدَ حَيَاتِهِمْ، مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَأْبَاهَا الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَتَرْفُضُهَا الْفِطَرُ السَّلِيمَةُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151].
وَقَدْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِالْأَمْرِ بِالْعَدْلِ وَلَوْ مَعَ الْخُصُومِ، وَبِالِالْتِزَامِ بِالْحَقِّ وَلَوْ فِي أَحْوَالِ الْخِلَافِ وَالنِّزَاعِ؛ فَلَا يُبِيحُ الْخِلَافُ ظُلْمًا، وَلَا تُسَوِّغُ الْخُصُومَةُ عُدْوَانًا، وَلَا تَجْعَلُ النِّزَاعَاتُ أَرْوَاحَ الْأَبْرِيَاءِ وَمُمْتَلَكَاتِهِمْ أَمْرًا مُسْتَبَاحًا؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
فَإِذَا كَانَ هَذَا هَدْيَ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ، فَكَيْفَ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ الْآمِنِينَ، وَتَعْرِيضِ حَيَاتِهِمْ لِلْخَطَرِ، وَاسْتِهْدَافِ الْمُنْشَآتِ الْمَدَنِيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ النَّاسِ وَحَاجَاتُهُمْ؟! إِنَّ ذَلِكَ لَمِنَ الظُّلْمِ الَّذِي يَجِبُ إِنْكَارُهُ، وَمِنَ الْعُدْوَانِ الَّذِي يَجِبُ صَدُّهُ، وَمِنَ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ بَيَانَ الْحَقِّ وَالدَّعْوَةَ إِلَى وَقْفِهَا، وَالْعَمَلَ عَلَى حِمَايَةِ الْأَبْرِيَاءِ وَصَوْنِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: فِي ظِلِّ مَا نَعِيشُ مِنْ أَحْدَاثٍ وَتَحَدِّيَاتٍ، وَمَا وَقَعَ مِنِ اعْتِدَاءَاتٍ آثِمَةٍ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ الْآمِنِينَ فِي بِلَادِ الْحَرَمَيْنِ، نُؤَكِّدُ تَمَسُّكَنَا بِالْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَتَضَامُنَنَا مَعَ أَشِقَّائِنَا فِي الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، فِي مُوَاجَهَةِ الِاعْتِدَاءَاتِ الَّتِي تَسْتَهْدِفُ أَمْنَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا، وَنُدِينُ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ وَالْمُنْشَآتِ الْمَدَنِيَّةِ، وَنُؤَكِّدُ أَنَّ حِمَايَةَ الْأَرْوَاحِ، وَصَوْنَ الْمُمْتَلَكَاتِ، وَحِفْظَ أَمْنِ الْمُجْتَمَعَاتِ؛ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَإِنْسَانِيٌّ، وَأَنَّ مَا تَقُومُ بِهِ جَمَاعَةُ الْحُوثِيِّ الْمَارِقَةُ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَسْتَهْدِفُ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمُنْشَآتِ الْمَدَنِيَّةَ، لَيَتَنَاقَضُ مَعَ مَبَادِئِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي حَرَّمَتِ الظُّلْمَ وَالْعُدْوَانَ، وَأَمَرَتْ بِحِفْظِ النُّفُوسِ وَصِيَانَةِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ لِجَمَاعَةٍ مَارِقَةٍ تَسْتَهْدِفُ خَيْرَ الْبِلَادِ وَأَشْرَفَ الْبِقَاعِ، ثُمَّ تَدَّعِي زُورًا وَبُهْتَانَا نُصْرَتَها لِقَضَايَا الْأُمَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهَا قَضِيَّةُ فِلَسْطِينَ وَنُصْرَةُ أَهْلِهَا! وَلَكِنَّ الْمُسْتَبْصِرَ الْمُسْتَهْدِيَ لَيَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ بِعَمَالَةِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ الْمَارِقَةِ وَعَدَائِهَا الْحَقيقِيِّ لِلْإِسْلَامِ.
عِبَادَ اللَّهِ: وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَجْعَلُ هَذَا التَّضَامُنَ وَاجِبًا أَخْلَاقِيًّا، وَمَوْقِفًا أَصِيلًا، مَا يَرْبِطُ دَوْلَةَ الْكُوَيْتِ بِالْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ مِنْ أَوَاصِرَ رَاسِخَةٍ، تَجْمَعُهُمَا فِيهَا أُخُوَّةُ الدِّينِ، وَرَوَابِطُ الْجِوَارِ، وَوَحْدَةُ الْمَصِيرِ، وَعُمْقُ التَّارِيخِ، وَالْمَصَالِحُ الْمُشْتَرَكَةُ. وَلَقَدْ أَثْبَتَ التَّارِيخُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَلَاقَةِ جِوَارٍ، بَلْ هِيَ عَلَاقَةُ أُخُوَّةٍ وَوَفَاءٍ وَتَعَاضُدٍ، تَجَلَّتْ مَعَانِيهَا فِي أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ وَالْمِحَنِ، وَمِنَ الْمَوَاقِفِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي لَا يَنْسَاهَا أَهْلُ الْكُوَيْتِ: مَوْقِفُ الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ الشَّقِيقَةِ إِبَّانَ الْغَزْوِ الْعِرَاقِيِّ الْغَاشِمِ لِدَوْلَةِ الْكُوَيْتِ، فَقَدْ فَتَحَتِ الْمَمْلَكَةُ أَبْوَابَهَا لِلْكُوَيْتِيِّينَ، وَاحْتَضَنَتْهُمْ عَلَى أَرْضِهَا، وَوَقَفَتْ إِلَى جَانِبِ دَوْلَةِ الْكُوَيْتِ قِيَادَةً وَشَعْبًا، وَقَدَّمَتِ الدَّعْمَ وَالْمُسَانَدَةَ فِي تِلْكَ الْمِحْنَةِ الْعَصِيبَةِ، وَكَانَ لَهَا الْيَدُ الطُّولَى وَالدَّوْرُ الْأَبْرَزُ فِي الْجُهُودِ الَّتِي بَذَلَتْهَا الدُّوَلُ الشَّقِيقَةُ وَالصَّدِيقَةُ لِتَحْرِيرِ الْكُوَيْتِ وَاسْتِعَادَةِ سِيَادَتِهَا.
وَإِنَّ هَذَا الْمَوْقِفَ الْأَخَوِيَّ الْكَرِيمَ لَيَبْقَى فِي ذَاكِرَةِ أَهْلِ الْكُوَيْتِ مَحْفُوظًا، وَفِي وِجْدَانِهِمْ مَذْكُورًا، وَيُجَسِّدُ مَعْنًى عَظِيمًا مِنْ مَعَانِي الْوَفَاءِ وَرَدِّ الْجَمِيلِ. فَمِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ أَنْ يَحْفَظُوا الْمَعْرُوفَ، وَأَنْ يَذْكُرُوا أَهْلَ الْفَضْلِ بِفَضْلِهِمْ، وَأَنْ يَقِفُوا مَعَ إِخْوَانِهِمْ فِي أَوْقَاتِ الْمِحَنِ، كَمَا وَقَفَ إِخْوَانُهُمْ مَعَهُمْ فِي أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ. عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ تَضَامُنَنَا الْيَوْمَ مَعَ الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ هُوَ تَعْبِيرٌ عَنْ أَصَالَةِ الْوَفَاءِ، وَتَأْكِيدٌ لِوَحْدَةِ الْمَصِيرِ، وَمَوْقِفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأُخُوَّةِ وَالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَرَفْضِ كُلِّ اعْتِدَاءٍ يَمَسُّ أَمْنَ الْمَمْلَكَةِ وَسَلَامَةَ أَهْلِهَا وَمُقِيمِيهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، وَإِنَّ أَمْنَ دَوْلَةِ الْكُوَيْتِ وَالْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ وَسَائِرِ دُوَلِ الْخَلِيجِ الْعَرَبِيِّ أَمْنٌ مُتَرَابِطٌ، وَاسْتِقْرَارَهَا مَصْلَحَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَحِفْظَ نِعْمَةِ الْأَمْنِ فِيهَا مَسْؤُولِيَّةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْجَمِيعُ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَرِضَاهُ؛ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ} [الطلاق: 2، 3].
معاشر المؤمنين: إِنَّ لِلْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ مَكَانَةً عَظِيمَةً فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، فَهِيَ أَرْضُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ، وَمَهْدُ رِسَالَةِ الْإِسْلَامِ، الَّتِي تَشْتَاقُ إِلَيْهَا أَفْئِدَةُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ، يَفِدُونَ إِلَيْهَا حُجَّاجًا وَمُعْتَمِرِينَ، وَتَتَعَلَّقُ قُلُوبُهُمْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَيَسْأَلُونَ اللهَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ زِيَارَتَهُمَا فِي أَمْنٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَقَبُولٍ. وَإِنَّ خِدْمَةَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَرِعَايَةَ قَاصِدِيهِمَا، وَتَيْسِيرَ سُبُلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، لَهِيَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي يَشْعُرُ بِأَثَرِهَا الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، وَقَدْ رَبَطَتْ بَيْنَ الْمَمْلَكَةِ وَأَشِقَّائِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَوَابِطُ الدِّينِ وَالْجِوَارِ وَالتَّارِيخِ وَالْمَصِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَكَانَ لِلْمَوَاقِفِ الْأَخَوِيَّةِ وَالْمُسَاعَدَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَثَرٌ فِي تَعْزِيزِ هَذِهِ الرَّوَابِطِ. وَمِنْ حَقِّ هَذِهِ الْأَوَاصِرِ أَنْ نَحْفَظَهَا بِالْوَفَاءِ وَصِدْقِ الْمَوَدَّةِ، وَأَنْ نَقِفَ مَعَ الْمَمْلَكَةِ فِي كُلِّ مَا يُحَقِّقُ الْخَيْرَ وَالْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ، وَأَنْ نَرْفُضَ كُلَّ اعْتِدَاءٍ يَسْتَهْدِفُ أَهْلَهَا، أَوْ يُرَوِّعُ آمِنِيهَا، أَوْ يَمَسُّ مُقَدَّرَاتِهَا. وَإِنَّ مِنْ وَاجِبِنَا أَيْضًا أَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا عَلَى حُبِّ الْأَوْطَانِ، وَالْوَفَاءِ لِلْأَشِقَّاءِ، وَاحْتِرَامِ الْحُقُوقِ، وَعَلَيْنَا أَنْ نُرَسِّخَ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّ قُوَّةَ الْأُمَّةِ فِي وَحْدَتِهَا، وَأَنَّ التَّعَاوُنَ وَالتَّضَامُنَ مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ الْأَوْطَانِ، وَأَنَّ نُصْرَةَ الْمَظْلُومِ وَرَفْضَ الْعُدْوَانِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَحِفْظِ حُقُوقِ الْأَبْرِيَاءِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ: الدُّعَاءَ لِبِلَادِنَا وَلِأَشِقَّائِنَا، وَسُؤَالَ اللَّهِ أَنْ يُدِيمَ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنَّا الْفِتَنَ وَالْمِحَنَ، وَأَنْ يَجْمَعَ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى.
ثُمَّ اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ تَعَالَى- أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَمِيمٍ عَظِيمٍ، بَدَأَ بِهِ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ ثَنَّى بِمَلَائِكَةِ قُدْسِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ دَوْلَةَ الْكُوَيْتِ أَمِيرًا وَحُكُومَةً وَشَعْبًا، وَأَدِمْ عَلَيْهَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَاحْفَظْهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ. اللَّهُمَّ احْفَظِ الْمَمْلَكَةَ الْعَرَبِيَّةَ السُّعُودِيَّةَ قِيَادَةً وَحُكُومَةً وَشَعْبًا، وَأَدِمْ عَلَيْهَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ. اللَّهُمَّ أَعِنْهَا عَلَى حِفْظِ أَمْنِهَا وَصِيَانَةِ سِيَادَتِهَا، وَادْفَعْ عَنْهَا كُلَّ اعْتِدَاءٍ وَسُوءٍ، وَاحْفَظْ أَهْلَهَا وَالْمُقِيمِينَ فِيهَا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ. اللَّهُمَّ احْفَظْ سَائِرَ دُوَلِ مَجْلِسِ التَّعَاوُنِ لِدُوَلِ الْخَلِيجِ الْعَرَبِيِّ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمينَ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهم عَلَى الْحَقِّ، اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظِ الْمَدَنِيِّينَ الْأَبْرِيَاءَ، وَآمِنِ الْخَائِفِينَ، وَاشْفِ الْجَرْحَى وَالْمُصَابِينَ، وَارْحَمِ الْمَوْتَى، وَاجْبُرْ مُصَابَ أَهْلِهِمْ وَذَوِيهِمْ. اللَّهُمَّ أَبْعِدْ عَنَّا الْفِتَنَ وَالْحُرُوبَ وَالدَّمَارَ، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة